حسن حسني عبد الوهاب
8
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وفي غالب الأوقات كان يرسل بالجنود القادمين إلى ثغر من الثغور الحربيّة الذي سبق أن عسكر به أناس من قبيلهم وعشيرتهم ، وذلك لاستئناسهم بالبلاد وتمكينهم من الاطلاع على أحوالها وعوائدها والتعرف لأخلاق أهلها . ومن بين هؤلاء الأجناد الوافدين كان يوجد شجعان معدودون ، وفرسان معروفون بالنجدة والفصاحة ، ممن شهدوا وقائع المشرق وحضروا مقاتل مشهورة . فلمّا قدموا على إفريقيّة وشاركوا في حروبها ومواقفها كانت تتحمّس نفوسهم وتجيش قرائحهم بقطع من الشعر لهذه المناسبات ، فيقولون المقاطيع الحماسية ، والأراجيز الفخرية بما يناسب مواقفهم ونزالهم ، وقديما قال القاضي أحمد بن دؤاد : " كل عربيّ يقدر على قول الشعر " . ثم إنّهم إذا ما وضعت الحرب أوزارها وعادوا إلى معسكراتهم الأولى واجتمعوا بمواطنيهم وبالمولّدين من أبناء مسلمة البربر ، سامروهم بأخبار الجاهليّة والإسلام ممّا لقنوه في المشرق ، ورووا لهم ما يحفظون من الأشعار في أيّام العرب ووقائعهم المروية . وهكذا تسرّب إلى أبناء إفريقيّة المستعربة معرفة أخبار العرب وآدابهم في جاهليتهم وإسلامهم . وها نحن أولاء نذكر لك أسماء طائفة صالحة من أولئك الفرسان الشجعان الوافدين ، ونورد نتفا من حياتهم ، ونسوق قطعا من أقوالهم في مصافهم ونزالهم ، وهي قطع أعيى البحث عن جمعها لقلّة ما وصل إلينا منها . وإنّما عمدنا إلى إيراد شيء من تراجم هؤلاء الفرسان الأدباء قاصدين أن يقف القارئ على بعض تفاصيل الفتح العربي وأخبار مشاهير القائمين به . فمن رواة الأدب : 1 - سليمان بن حميد الغافقي ، أبو داود من وجوه جند بني أميّة القادمين على إفريقية في خلافة هشام بن عبد الملك ، دخل سليمان وأخوه محمد - وهو أكبر منه - في جملة من قومهم بني غافق ، منهم عبد الرحمن بن عبد اللّه الغافقي الذي أرسله أمير القيروان واليا على الأندلس